هائم بين القرى ، يسير على غير هدى ، حائر ، يحمل بين طياته نفساً مضطربة حزينة ..
قد أرهقته الآثام ، وأتعبت روحه الرذائل ، للتو شعر بعظمة ذنبه ، وفداحة ما اقترفت يداه ، تلك التي قتل بها تسعاً وتسعين نفسا
..
أراد أن يتوب ، فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدلوه على راهب ، فأتاه وقال : إني قتلت تسعة وتسعين نفساً ، فهل لي من توبة .!
فقال : لا ، فقتله ..
ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم ،
فأتاه فأخبره : إني قتلت مائة نفس ، فهل لي من توبة ..!
قال : نعم ، ومن يحول بينك وبين التوبة ..
انطلق إلى أرض كذا وكذا ، فإن فيها قوماً يعبدون الله تعالى ،
فاعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ..
فانطلق حتى إذا انتصف الطريق أتاه الموت ،
فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ، وملائكة العذاب ،
فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً ، مقبلاً إلى الله بقلبه ،
وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط ..
فأتاهم ملك في صورة آدمي ، فجعلوه بينهم حكماً ،
فقال قيسوا ما بين الأرضين ، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ،
فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ، فقبضته ملائكة الرحمة ،
وقيل : أنه كان أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر ، فقبضته ملائكة الرحمة
..
ذلك رجل لم يعمل خيراً قط ..
ولا نستطيع أن نجزم أنه كان سيعمل ..
كل ما نعرفه أن رجلاً قد دخل الجنة ، عن طريق التوبة ..
إن هي إلا لحظة فقط ، ندم فيها ، وتاب فيها ، ودخل الجنة فيها ..!
...........................
وتلك بغي من بغايا بني إسرائيل ، رأت كلباً كاد يقتله العطش ، فسقته ، فغفر الله لها فدخلت الجنة ..!
كثيرون حاولوا التشكيك في تلك الرواية ، بعضهم قال : أنها لم تدخل الجنة ـ تحديداً ـ لهذا الفعل ، وإنما وفقها الله للتوبة والهداية ..
لا أحد يجزم بذلك ، ولم تذكر الأحاديث شيئاً من هذا ..
إنما رحمتها بالكلب ، هي من أدخلتها الجنة ..
فتلك ليست بغي من بغايا هذا الزمان ، أي أنها لا تعرف الولاة والأمراء ، ولم تخالطهم ..
ولم تقم حفلة وتتبرع بريعها للأعمال الخيرية ،
ولم تسهم في بناء مسجد من عرق جبينها أو عرق أي شيء آخر ..!
إن هي إلا لحظة فقط ، رحمت الكلب فيها فسقته ، ودخلت الجنة فيها ..!
تلك نفس أخرى دخلت الجنة من طريق الرحمة ..!
...........................................
ارتبط اسم ( الحشاشين ) بالقتل ..
والاغتيالات ..
والعمليات الإنتحارية ..
وهو أصل التسمية الإنجليزيةAssassins
أو القتلة ..
لن تجد في التاريخ مثالاً أوضح من هذا المثال ..
حين تجتمع النية الصالحة ، والقوة الجامحة .. والمشاعر المكبوتة ..
بعقول الشر ، وأنفس الإثم ،
حين عرف ( حسن الصباح ) وهو زعيم تلك الفئة ، بتأثير الحشيش على العقول ..
وكيف أن الحشاش يصبح عقله أصفى وأضعف ، بحيث يكون بذرة صالحة لتزرع فيه كل ما تريد ..
لم يتوان لحظة دون أن يستغل الحشيش ، الذي اجتمع مع رغبة الشباب العارمة في دخول الجنة ، وتحديداً لمقابلة ( الحور العين ) ..
فكان يعطيهم الحشيش ، ثم يأتي بهم لقلعة الموت ، معقله ، ويدخلهم إلى غرف مليئة بالغواني ،
( إشي أحمر وإشي أصفر ) ..
يشاهدون بأعينهم كيف هي الجنة ..!
ثم ينامون وهم على وشك التحليق فرحاً .!
لكنهم يستيقظون في الأزقة ..
كل المطلوب لتذهب إلى الجنة أن تنفذ ما نقوله لك ..
وقد كان ، آلاف العمليات التي نفذها الحشاشون ضد الصليبيين ، والعباسيين ، والسلاجقة .!
أي أن الحرب لم تكن حرب إسلام ، والقضية ليست قضية شهادة ..!
فقط هي الوسيلة التي تسمح له بالسيطرة على عقول الشباب ..!
جيفارا لم يفعل ذلك ، ورفض أي تجنيد سهل لعقول الشباب ، رفض أن يجعل من الدين ( أي دين ) سلعة بين يديه ،
وكأنه كان يريد القول : بأن الحرية أيضاً تستحق أن يموت لأجلها الإنسان ..
أقول : بأن السيطرة تجسدت تماماً ، حين أتى حسن الصباح بقائد جيش الصليبيين ( لا أعرف اسمه ) ليهايط أمامه بحشاشيه ، فأمر مائة منهم ( مائة ) بأن يقفوا على أسوار القلعة ، حيث الجزء المطل على الهاوية ..!
وأخبرهم بأنه لا يفصلهم عن الجنة إلا هذه الهاوية ..
فهووا ، مائة في سبيل لا شيء ..!
.................................................. ..
أعرف شخصاً ( والله هذه حقيقة ) ..
كان يسرق مرتب الخادمة التي أتى بها أشقاؤه لخدمة أمهم المريضة بالسكر ..
ليصرفها على أصناف رديئة من المخدرات ، ولم يكن ينوبه من أمه إلا الغضب ..
عندما بحث عمن ينقذه ، لم يجد من يدله على بر الوالدين مثلاً ، على اعتبار أنه طريق إلى الجنة ..!
بل تبرع له المئات ليدلوه على ( الجهاد ) وهو الطريق الوحيد إلى الجنة ..!
ليس رباطاً أو شيئاً من هذا القبيل ..
بل إن الغالبية العظمى من الشباب يستخدم كوسيلة نقل ملغمة ، فإن لم يكف العدد ، تتم الاستعانة بالحمير .!
( شوفو كيف )
أنا لا أقول بأن الجهاد ليس طريقاً إلى الجنة .!
بل هو كذلك ،
لكن أن يبحث عنه الشباب باعتباره الطريق الأقصر ، وهو ما قاله أحد الاستشهاديين ( رحمه الله ) بلسانه في واحد من تسجيلات اليوتيوب ( يخاطب الشباب فيقول تخيل أنه قيل لك أنه خلف هذه الشجرة القريبة توجد فتاة جميلة ، فهل تنتظر حتى تقوم بشيء من أمر الدنيا ، لا والله ، كذلك هي الجنة والحور العين )
هذه هي ثقافة الإنترنت والميكرويف ..!
هذا هو عصر السرعة ..
حتى الجهاد على الطريقة الميكرويفية ..
لا يوجد صلاة أو صيام أو بر والدين أو أي من تلك الطرق التقليدية ..!
إن هي إلا لحظة تلك التي تفصلك عن الجنة ..!
بل إنه يعرف أنه ذاهب إلى الجنة ..
لديه يقين هائل يقتلك غيظاً ..!
مسكين هو ، لم يعرف أن التوبة ـ بتوفيق الله ـ هي من يدخله الجنة .!
وأن الجهاد لا يدخله الجنة إلا بنفس السبب ـ توفيق الله سبحانه وتعالى ..!
لم يعرف أنه قد تضطر إحياناً إلى الصبر والتضحية والجهاد الحقيقي لتدخل الجنة .!
وأنك قد لا تصل إلى الجنة لمجرد أنك قد تعبت من هذه الدنيا ..!
فبدلاً من أن تقتل نفسك بسيجارة أو جرعة كبيرة من الهروين ، قتلتها فيما أخبروك هم بأنه جهاد .!
موضوع لم يعجبني شخصياً ، ذاك أنه كان يلزمه الكثير من البحث ، والتمحيص ، والتدقيق ، والجهد .!
لكنه عصر السرعة ، عصر الإنترنت والميكرويف .!
عصر يضمن فيه الكثيرون أن يدخلوا إلى الجنة لمجرد أنهم يرغبون بذلك ..!
فما الذي يمنعني من ضمان أن يروقكم الموضوع ، ألا يكفي أنني أرغب بذلك